كيف نبني إنسانًا واعيًا بالتغيرات المناخية؟

من المعرفة إلى السلوك والمسؤولية

لم يعد التغير المناخي قضية تخص العلماء والباحثين وحدهم، ولا موضوعًا يُناقش فقط في المؤتمرات الدولية. فقد أصبح أثره حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية: ارتفاع درجات الحرارة، تراجع الموارد المائية، تزايد موجات الجفاف، الفيضانات المفاجئة، حرائق الغابات، وتغير أنماط الإنتاج والاستهلاك.

وفي تونس، تبدو هذه التحولات أكثر قربًا من المواطن. فمن أزمة المياه إلى موجات الحر، ومن تراجع الموارد الطبيعية إلى الضغط المتزايد على الشريط الساحلي، أصبح التغير المناخي تحديًا يمس الاقتصاد والصحة والأمن الغذائي والمائي، ومستقبل الأجيال القادمة.

لكن مواجهة هذه التحديات لا تبدأ فقط من المشاريع الكبرى والاستراتيجيات الحكومية، بل تبدأ أيضًا من بناء إنسان واعٍ بالمناخ، قادر على فهم ما يحدث حوله، والتمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، وتحويل المعرفة إلى سلوك يومي.

الوعي المناخي لا يعني الخوف من المستقبل

أول خطوة في بناء الوعي المناخي هي تغيير طريقة الحديث عن المناخ.

فالمطلوب ليس تخويف المواطن من المستقبل، ولا إغراقه في أرقام قياسية عن درجات الحرارة والكوارث، وإنما مساعدته على فهم العلاقة بين ما يحدث في البيئة وبين حياته اليومية.

عندما يفهم المواطن أن إهدار المياه ليس مجرد تبذير لمورد طبيعي، وأن رمي البلاستيك في الشارع قد ينتهي به الأمر إلى البحر، وأن استهلاك الطاقة يرتبط أيضًا بالانبعاثات، فإنه يبدأ في إدراك أن سلوكه الفردي جزء من منظومة أكبر.

الوعي الحقيقي لا يقول للإنسان: «أنت سبب المشكلة»، بل يقول له: «أنت جزء من الحل».

المدرسة.. نقطة البداية

إذا أردنا بناء مجتمع أكثر وعيًا بالمناخ، فإن المدرسة يجب أن تكون في قلب هذا المشروع.

فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر قيمة الماء والطاقة والتنوع البيولوجي وإعادة التدوير، لا يكتسب معلومات فقط، بل يكوّن علاقة مختلفة مع البيئة.

يمكن أن تتحول المدرسة إلى مختبر صغير للمناخ: فرز النفايات، ترشيد استهلاك المياه، غراسة الأشجار، قياس درجات الحرارة، مراقبة الطقس، إنشاء حدائق مدرسية، وإعادة استعمال المواد بدل التخلص منها.

والأهم أن يتعلم التلميذ كيف يسأل ويبحث ويتحقق.

فعندما يرى منشورًا على مواقع التواصل الاجتماعي يقول إن «درجة الحرارة وصلت إلى رقم قياسي»، يجب أن يتعلم ألا يشارك المعلومة مباشرة، بل يسأل: من أين جاءت؟ هل هناك مصدر رسمي؟ هل الرقم يتعلق بمنطقة معينة أم بكل تونس؟

وهنا يلتقي التثقيف المناخي مع التربية الإعلامية والرقمية.

من المواطن المستهلك إلى المواطن المشارك

الوعي المناخي لا يكتمل بمجرد معرفة معنى الاحتباس الحراري أو التغير المناخي.

المواطن الواعي هو الذي يستطيع أن يربط المعرفة بالسلوك.

يمكن أن يبدأ ذلك من خطوات بسيطة: الاقتصاد في استهلاك المياه، تقليل استعمال البلاستيك أحادي الاستخدام، عدم إلقاء النفايات في الطبيعة، ترشيد استهلاك الكهرباء، استعمال وسائل نقل أقل تلويثًا عندما يكون ذلك ممكنًا، والمشاركة في المبادرات البيئية المحلية.

لكن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده.

فلا يمكن مطالبة الفرد بترشيد استهلاك المياه بينما تعاني الشبكات من التسربات، أو مطالبته بفرز النفايات في غياب منظومة فعالة لجمعها وتثمينها.

لذلك فإن الوعي المناخي يجب أن يشمل أيضًا الحق في المعلومة والمساءلة والمشاركة في اتخاذ القرار.

الإعلام.. خط الدفاع الأول ضد التضليل المناخي

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المواطن يتلقى يوميًا مئات الصور والفيديوهات والمعلومات المتعلقة بالمناخ.

لكن ليست كل هذه المعلومات صحيحة.

قد تكون صورة قديمة وتُنشر على أنها فيضان جديد في تونس، أو صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي وتُقدم على أنها توثق كارثة طبيعية، أو رقم صحيح يوضع خارج سياقه لإعطاء انطباع خاطئ عن وضع المناخ.

لذلك، فإن بناء الإنسان الواعي مناخيًا يتطلب أيضًا بناء مواطن قادر على التحقق.

قبل مشاركة معلومة بيئية، يمكن طرح خمسة أسئلة بسيطة:

من نشرها؟
ما مصدرها؟
متى حدث ذلك؟
هل توجد مصادر أخرى تؤكدها؟
وهل الصورة أو الفيديو مرتبط فعلًا بالمكان والتاريخ المذكورين؟

هذه العادة الصغيرة يمكن أن تمنع انتشار كم كبير من التضليل المناخي.

الذكاء الاصطناعي.. أداة للتوعية أم وسيلة للتضليل؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في نشر الثقافة المناخية بطريقة أكثر جاذبية.

يمكن استخدامه لتبسيط البيانات، إنتاج الرسوم التوضيحية، إعداد محتويات تعليمية، تحليل المعلومات، ومساعدة التلاميذ والمواطنين على فهم الظواهر المناخية المعقدة.

لكن الأداة نفسها يمكن أن تستخدم في الاتجاه المعاكس.

فالصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تظهر مدينة تونسية مغمورة بالمياه، أو شاطئًا مدمرًا، أو حريقًا ضخمًا، ثم تنتشر باعتبارها صورة حقيقية.

لذلك، فإن الإنسان الواعي مناخيًا في عصر الذكاء الاصطناعي ليس فقط من يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا، وإنما من يعرف أيضًا متى يشك فيها وكيف يتحقق مما تنتجه.

البيئة تبدأ من الحي

أحيانًا تبدو قضية التغير المناخي أكبر من قدرة الفرد على التأثير فيها.

لكن التغيير يمكن أن يبدأ من الحي والمدرسة والقرية والمدينة.

يمكن لمجموعة من المواطنين مراقبة نقاط تسرب المياه، تنظيف منطقة طبيعية، غراسة الأشجار، الحد من استعمال البلاستيك، أو إنشاء مبادرة لجمع النفايات وفرزها.

المهم هو الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع المشارك.

فالوعي المناخي لا يقاس بعدد المنشورات التي يشاركها الشخص حول الاحتباس الحراري، وإنما بما يغيره فعليًا في حياته ومحيطه.

الشباب ليسوا جمهورًا فقط

يجب أن يكون الشباب جزءًا من صناعة الحلول المناخية، لا مجرد فئة تتلقى الرسائل التوعوية.

يمكن للمدارس والجامعات والجمعيات ووسائل الإعلام أن تمنح الشباب مساحة لإنتاج المحتوى، جمع البيانات، مراقبة التغيرات البيئية المحلية، وتصميم مبادرات مبتكرة.

فالشاب الذي يصور مشكلة بيئية في حيه، يتحقق من أسبابها، يجمع البيانات حولها، ثم يقدمها في تقرير صحفي أو فيديو توعوي، لا يصبح فقط أكثر وعيًا بالمناخ، بل يصبح فاعلًا في مجتمعه.

بناء الوعي يحتاج إلى لغة يفهمها الناس

من أكبر الأخطاء في التواصل المناخي استخدام لغة علمية معقدة تجعل المواطن يشعر بأن القضية بعيدة عنه.

بدل الحديث فقط عن «الانبعاثات والغازات الدفيئة»، يمكن أن نسأل: كيف تؤثر موجات الحر على حياتنا؟

وبدل الحديث فقط عن «الإجهاد المائي»، نسأل: لماذا ينقطع الماء؟ وأين تضيع المياه؟

وبدل الاكتفاء بالحديث عن «التلوث البلاستيكي»، نسأل: أين تنتهي قارورة البلاستيك التي نرميها اليوم؟

عندما تصبح القضية المناخية مرتبطة بحياة الإنسان اليومية، يصبح فهمها أسهل والتفاعل معها أكبر.

الإنسان الواعي لا ينتظر الكارثة

الوعي المناخي الحقيقي يعني الاستعداد قبل وقوع الأزمة.

فالمواطن الذي يعرف مخاطر الفيضانات يعرف كيف يتصرف عند هطول الأمطار الغزيرة.

والذي يدرك قيمة الماء يتعامل معه كمورد محدود.

والذي يفهم مخاطر موجات الحر يعرف أهمية حماية الفئات الأكثر هشاشة.

والذي يعرف كيف يتحقق من الأخبار لا يساهم في نشر الشائعات أثناء الكوارث.

وهكذا يتحول الوعي من معلومة إلى قدرة على التصرف.

تونس تحتاج إلى ثقافة مناخية جديدة

التغير المناخي ليس ملفًا بيئيًا فقط. إنه قضية ترتبط بالماء والغذاء والطاقة والصحة والسياحة والفلاحة والاقتصاد.

ولهذا فإن بناء الإنسان الواعي بالمناخ يجب أن يكون مشروعًا تشترك فيه المدرسة والإعلام والأسرة والمجتمع المدني والمؤسسات والجامعات.

ولا يمكن أن نطلب من المواطن أن يتصرف بطريقة مستدامة دون أن نوفر له المعرفة والأدوات والخيارات المناسبة.

الخلاصة

بناء إنسان واعٍ بالتغيرات المناخية لا يبدأ بحفظ المصطلحات العلمية، ولا ينتهي بحملة توعوية عابرة.

إنه مسار طويل يبدأ من التعليم، ويمر عبر الإعلام، ويعتمد على العلم، ويستفيد من التكنولوجيا، وينتهي بسلوك ومشاركة ومسؤولية.

نحتاج إلى مواطن يعرف قيمة الماء قبل أن ينقطع عنه، ويحمي الطبيعة قبل أن تتدهور، ويتحقق من المعلومة قبل أن يشاركها، ويستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يصبح ضحية له.