لم تعد النفايات في تونس مجرد مشكلة مرتبطة بجمعها ونقلها إلى المصبات. ففي ولاية سوسة، تتجه بعض المشاريع البيئية إلى تحويل جزء من هذه النفايات إلى مورد للطاقة، بالتوازي مع البحث عن حلول للحد من تأثير الأنشطة السياحية على الساحل والأنظمة البيئية البحرية.

وفي هذا السياق، برز المصبّ المراقب بوادي لاية كأحد أبرز المشاريع البيئية بالجهة، باعتباره أول مشروع في تونس لإنتاج الطاقة من النفايات المنزلية، وفق ما صرّح به وزير البيئة حبيب عبيد خلال زيارة إلى ولاية سوسة.

من النفايات إلى الطاقة

وأكد الوزير أن العمل يتواصل من أجل تطوير الطاقة الإنتاجية للمشروع، بما يمكن من رفع كمية الكهرباء المنتجة لتغطية حاجيات نحو 1000 عائلة، مقابل حوالي 300 عائلة حاليًا.

ويعكس هذا التوجه محاولة للانتقال من التعامل مع النفايات باعتبارها عبئًا بيئيًا إلى النظر إليها كمورد يمكن تثمينه وإدماجه في إنتاج الطاقة.

لكن أهمية المشروع لا تقاس فقط بعدد العائلات التي يمكن تزويدها بالكهرباء، بل أيضًا بقدرته على تقليص الآثار البيئية المرتبطة بتراكم النفايات والغازات الناتجة عن تحللها.

ويبقى تقييم نجاح التجربة مرتبطًا بمعطيات أكثر تفصيلًا، من بينها كمية النفايات المعالجة، وحجم الطاقة المنتجة فعليًا، والكلفة الاقتصادية للإنتاج، ومدى مساهمة المشروع في الحد من الانبعاثات.

2.5 مليون طن من النفايات سنويًا

تأتي هذه المشاريع في وقت تواجه فيه تونس تحديًا متزايدًا في مجال التصرف في النفايات.

وبحسب الأرقام التي قدمها وزير البيئة، يتراوح معدل إنتاج الفرد من النفايات بين 800 غرام وكيلوغرام يوميًا، وهو ما يساهم في تجميع حوالي 2.5 مليون طن من النفايات سنويًا على المستوى الوطني.

وتشكل النفايات البلاستيكية حوالي 10% من هذه الكمية، بما يعادل تقريبًا 250 ألف طن سنويًا إذا تم احتساب النسبة على أساس إجمالي 2.5 مليون طن.

هذا الرقم يكشف حجم التحدي، خصوصًا وأن جزءًا من النفايات البلاستيكية يمكن أن ينتهي في الأوساط الطبيعية أو يصل إلى البحر، ما يجعل إدارة النفايات قضية مرتبطة مباشرة بحماية السواحل.

السياحة.. جزء من المشكلة وجزء من الحل

ولا تنفصل أزمة النفايات عن النشاط السياحي، خاصة في ولاية سوسة التي تستقطب أعدادًا كبيرة من الزوار خلال الموسم الصيفي.

وعلى هامش افتتاح أشغال عرض نتائج المشروع الدولي «تومالي»، المتعلق بمساهمة نظام الإدارة المستدامة للنفايات في قطاع السياحة في حماية النظم البيئية البحرية، تم الإعلان عن إمضاء 50 اتفاقية مع أصحاب نزل ومؤسسات لتهيئة مفترقات الطرقات والمساحات الخضراء.

ويهدف البرنامج إلى تشخيص النفايات الناتجة عن الأنشطة السياحية وتحسين آليات التصرف فيها، مع التركيز على الحد من انعكاساتها على البيئة البحرية.

وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة، لأن النشاط السياحي لا يرتبط فقط باستهلاك المياه والطاقة، وإنما ينتج أيضًا كميات إضافية من النفايات، خاصة خلال فترات الذروة.

ماذا يحدث للنفايات بعد مغادرة السائح؟

هذا السؤال يمثل أحد المفاتيح لفهم العلاقة بين السياحة والبيئة.

فالفندق أو المطعم قد يقوم بجمع النفايات، لكن سلسلة التصرف فيها لا تنتهي عند الحاوية.

ماذا يحدث بعد ذلك؟

هل يتم الفرز من المصدر؟
ما نسبة النفايات التي يتم تثمينها وإعادة تدويرها؟
ما مصير البلاستيك؟
وكمية النفايات العضوية التي يمكن تحويلها إلى طاقة أو سماد؟
وهل توجد بيانات واضحة حول كميات النفايات التي ينتجها القطاع السياحي مقارنة ببقية القطاعات؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية للانتقال من الحديث العام عن «السياحة المستدامة» إلى قياس نتائجها على أرض الواقع.

حماية الساحل تبدأ من إدارة النفايات

يشكل الشريط الساحلي لحمام سوسة أحد المجالات التي يستهدفها مشروع «تومالي»، الذي يركز على حماية النظم البيئية البحرية.

وهنا تتقاطع قضيتان عادة ما يتم التعامل معهما بشكل منفصل: النفايات وحماية البحر.

فالنفايات التي لا يتم جمعها أو معالجتها بطريقة سليمة يمكن أن تنتقل بفعل الرياح والأمطار ومجاري المياه إلى البحر، بينما تمثل المواد البلاستيكية خطرًا خاصًا بسبب بقائها لفترات طويلة في البيئة وتحولها إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة.

لذلك، فإن حماية الساحل لا تبدأ فقط عند الشاطئ، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من طريقة إنتاج النفايات وفرزها وجمعها ونقلها ومعالجتها.

هل تكفي المشاريع النموذجية؟

وجود مشاريع لإنتاج الطاقة من النفايات وبرامج لتحسين إدارة النفايات السياحية يمثل خطوة مهمة، لكنه يطرح سؤالًا آخر حول مدى قدرة هذه التجارب على التوسع.

فإذا كان إنتاج النفايات في تونس يصل إلى نحو 2.5 مليون طن سنويًا، فإن التحدي يتجاوز مشروعًا واحدًا أو ولاية واحدة.

المطلوب هو معرفة حجم النفايات التي يمكن تثمينها فعليًا، والقدرة الوطنية على إنتاج الطاقة منها، والكلفة، والآثار البيئية، ومدى توفر البنية التحتية اللازمة للفرز والمعالجة.

كما أن تحويل النفايات إلى طاقة يجب أن يكون جزءًا من منظومة متكاملة، تبدأ أساسًا من تقليص إنتاج النفايات، ثم إعادة استعمالها وفرزها وتدويرها، قبل تثمين ما تبقى منها بالطاقة.

من الأرقام إلى الأثر البيئي

تقدم الأرقام المعلنة صورة أولية عن حجم التحدي، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم نجاح المشاريع.

فالوصول من إنتاج الكهرباء لتغطية حاجيات 300 عائلة إلى 1000 عائلة سيكون مؤشرًا مهمًا، لكن السؤال الصحفي الأهم هو: كمية الكهرباء المنتجة سنويًا، وكمية النفايات التي ساهمت في إنتاجها، وكمية الانبعاثات التي تم تجنبها؟

وبالنسبة إلى مشروع «تومالي»، فإن إمضاء 50 اتفاقية يمثل بداية مهمة، لكن تقييم أثره يحتاج إلى مؤشرات قابلة للقياس: كمية النفايات التي تم فرزها، نسبة النفايات التي تم تثمينها، كمية البلاستيك التي تم منع وصولها إلى البحر، وعدد المؤسسات السياحية التي التزمت فعليًا بالبرنامج.

هذه البيانات هي التي تسمح للصحافة بتقييم الانتقال من الإعلان عن المشروع إلى قياس نتائجه.

سوسة أمام اختبار الاستدامة

تضع هذه المشاريع ولاية سوسة أمام تجربة يمكن أن تجمع بين حماية البيئة ودعم الاقتصاد المحلي.

فإنتاج الطاقة من النفايات يمكن أن يخلق قيمة اقتصادية من مورد كان يمثل عبئًا، بينما يمكن لتحسين إدارة النفايات السياحية أن يساهم في حماية الساحل وتعزيز صورة الوجهة السياحية.

لكن نجاح هذه المقاربة لن يقاس بعدد المشاريع والاتفاقيات فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس.

فالرهان الحقيقي ليس فقط أن تنتج تونس الكهرباء من النفايات، ولا أن توقع المؤسسات السياحية اتفاقيات بيئية، وإنما أن تنخفض كمية النفايات التي تصل إلى المصبات، وأن ترتفع نسبة التثمين، وأن تتراجع النفايات البلاستيكية في الطبيعة، وأن تصبح حماية الساحل جزءًا من نموذج التنمية السياحية.

وفي بلد ينتج ملايين الأطنان من النفايات سنويًا، تبدو المعادلة واضحة: كلما نجحنا في تحويل النفايات من عبء إلى مورد، تحولت الأزمة البيئية إلى فرصة للطاقة والاقتصاد وحماية الطبيعة.

لكن نجاح هذه المعادلة يحتاج إلى أكثر من المشاريع النموذجية؛ يحتاج إلى بيانات منشورة، ومؤشرات واضحة، ومراقبة مستقلة، واستمرارية في التنفيذ.

وهنا تحديدًا سيكون الاختبار الحقيقي: هل تستطيع تونس الانتقال من إدارة النفايات إلى اقتصاد يثمّنها؟

الكاتب: حلمي حاضري